أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

163

التوحيد

مسألة في أفعال الخلق وإثباتها الحمد للّه المتوحد بالقدم والإلهية ، المتفرد بالدوام والربوبية ، ذي البرهان المنير ، والملك الكبير ، الذي فطر الخلق بقدرته ، وصرّفهم بحكمته على سابق علمه ومشيئته ، وتقلب كل مخلوق في مواهبه وإحسانه ، أنشأ الأشياء كيف شاء ، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبياء : 23 ] ؛ لما يتمكن منهم السفه والحكمة ليزجروا بالسؤال ثم بالجزاء عن السفه ، ويرغبوا في الحكمة ، ونسأله أن يكرمنا بالتوفيق ، ويجدد عزمنا التسديد ، وينوّر قلوبنا بالتوحيد ، فإنه حميد مجيد . أما بعد ، فإن اللّه تعالى لما خلق البشر للمحنة بما جعلهم أهل تمييز وعلم بالمحمود من الأمور والمذموم ، وجعل ما يذم منها قبيحا في عقولهم ، وما يحمد حسنا ، وعظم في أذهانهم إيثار القبيح على الحسن والرغبة فيما يذم على ما يحمد ، دعاهم على ما عليه ركبوا وما به أكرموا إلى إيثار أمر على أمر ، وقبّح في عقولهم احتمال أمثالهم ، جعل اللّه جميع ما لهم فيه متقلّب بين ضرر يتقى ونفع يرغب فيه ؛ ليكون ذلك لهم علما للموعود مما به الترغيب والترهيب ، وأنشأهم على طبائع تنفر عن أشياء وتميل إلى أشياء ، وأراهم في عقولهم حسن بعض مما تنفر عنه الطباع بحمد العواقب ، وقبح بعض ما تميل إليه بذم العواقب ، فصيّرهم بحيث يحتملون المكروه على الطباع بلذيذ العاقبة ، ويقهرونه عما يدعوهم إليه بشهي النهاية . ثم امتحنهم ، إذ أبت عقولهم احتمال أمثالهم ، ورغبت في محاسن الأعمال ومكارم الأخلاق باختيار ما حسن من الأعمال واجتناب ما قبح من ذلك . ثم جعل ما فيه محنتهم أمرين : العسير واليسير ، والسهل والصعب ؛ إذ هم بلا محنة يتعاطون الأمرين جميعا ؛ لما إليه مرجع ما أقدموا عليه وامتنعوا ، وعلى ذلك جعل الأسباب التي بها التوصل لهم إلى الأصل الذي به يرتقي إلى كل درجة وينال كل فضيلة ، وهو العلم على وجهين : على الظاهر البيّن والخفي المستور ليتفاضل بذلك أو لو العقل على قدر تفاضلهم في الاجتهاد واحتمال ما كرهته الطباع ونفرت عنه النفس ، وعلى ذلك جعل سبيله قسمين : أحدهما العيان الذي هو أخصّ الأسباب ، وهو الذي ليس معه جهل ، ليكون أصلا لما خفى منه ، والثاني السمع الذي عن دلالة الأعيان يعرف صدقه وكذبه . ثم جعل السمع قسمين : محكم ومتشابه ومفسّر ومبهم ، ليبيّن منتهى المعارف